صفي الرحمان مباركفوري

385

الرحيق المختوم

ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا كأنه رجل جراد ، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ، وقتل منهم اثنا عشر رجلا ، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم ، فعسكروا هناك . ونصب النبي صلى اللّه عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف ، وقذف به القذائف ، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن ، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة « 1 » ، ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه ، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار ، فخرجوا من تحتها ، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالا . وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها . فقطعها المسلمون قطعا ذريعا ، فسألته ثقيف أن يدعها للّه والرحم ، فتركها للّه والرحم . ونادى مناديه صلى اللّه عليه وسلم : أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر ، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون « 2 » رجلا فيهم أبو بكرة - تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها ، فكناه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أبا بكرة » - فأعتقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة . ولما طال الحصار ، واستعصى الحصن ، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلي فقال : هم ثعلب في جحر ، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك ، وحينئذ عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل ، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس : إنا قافلون غدا إن شاء اللّه فثقل عليهم وقالوا : نذهب ولا نفتحه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اغدوا على القتال ، فغدوا فأصابهم جراح ، فقال : إنا قافلون غدا إن شاء اللّه ، فسروا بذلك وأذعنوا ، وجعلوا يرحلون ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يضحك . ولما ارتحلوا واستقلوا قال : قولوا : « آئبون تائبون عابدون ، لربنا حامدون » .

--> ( 1 ) لم تكن الدبابة كدبابتنا اليوم ، وإنما كانت تصنع من الخشب ، كان الناس يدخلون في جوفها ثم يدفعونها في أصل الحصن لينقبوه وهم في جوفها ، أو ليدخلوا من النقبات . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 620 .